ابن أبي الحديد

239

شرح نهج البلاغة

فلما لقى هؤلاء قاتلهم ، فصبروا له ساعة وقاتلوه . ثم إنا دفعنا إليهم جميعا ، فهزمناهم ، وأخذوا الطريق الأعظم ، وليس بينهم وبين عسكرهم بدير يزدجرد إلا نحو ميل ( 1 ) ، فقال لنا شبيب : اركبوا معاشر المسلمين أكتافهم ، حتى تدخلوا معهم عسكرهم إن استطعتم ، فأتبعناهم ملظين ( 2 ) بهم ، ملحين عليهم ، ما نرفه عنهم وهم منهزمون ، ما لهم همة إلا عسكرهم . فمنعهم أصحابهم أن يدخلوا عليهم ، ورشقوهم ( 3 ) بالنبل ، وكانت لهم عيون قد أتتهم فأخبرتهم بمكاننا ، وكان الجزل قد خندق عليهم وتحرز ، ووضع هذه المسلحة الذين لقيناهم [ بدير الخرارة ] ( 4 ) ، ووضع مسلحة أخرى مما يلي حلوان . فلما اجتمعت المسالح ، ورشقوهم بالنبل ، ومنعونا من خندقهم ، رأى ( 5 ) شبيب أنه لا يصل إليهم ، فقال لأصحابه : سيروا ودعوهم ، فلما سار عنهم أخذ على طريق حلوان ، حتى كان منهم على سبعة أميال ، قال لأصحابه : أنزلوا فأقضموا دوابكم ، وقيلوا وتروحوا ، فصلوا ركعتين ، ثم اركبوا . ففعلوا ذلك . ثم أقبل بهم راجعا إلى عسكر الكوفة ، وقال : سيروا على تعبيتكم التي عبأتكم عليها أول الليل ، وأطيفوا ( 6 ) بعسكرهم كما أمرتكم . فأقبلنا ( 7 ) معه ، وقد أدخل أهل العسكر مسالحهم إليهم ، وأمنوا ، فما شعروا حتى سمعوا وقع حوافر الخيل ، فانتهينا إليهم قبيل الصبح ، وأحطنا بعسكرهم ، وصحنا بهم من كل ناحية ، فقاتلونا ، ورمونا بالنبل ، فقال شبيب ( 8 ) لأخيه مصاد ، وكان يقاتلهم من الجانب

--> ( 1 ) الطبري : ( قريب من ميل ) . ( 2 ) ملظين : ملحين . ( 3 ) الطبري : ( ورشقونا ) . ( 4 ) من الطبري . ( 5 ) الطبري : ( ثم أطيفوا بعسكركم ) . ( 6 ) في الأصول : ( نظر ) ، والأجود ما أثبته من تاريخ الطبري ) . ( 7 ) الطبري : ( فأقبلوا ) . ( 8 ) الطبري : ( ثم أن شبيبا ) .